أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

411

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : لا تُصِيبَنَّ . في « لا » وجهان : أحدهما : أنها ناهية ، وعلى هذا فالجملة لا يجوز أن تكون صفة ل « فاتنة » ، لأن الجملة الطلبية لا تقع صفة . ويجوز أن تكون معمولة لقول ، ذلك القول هو الصفة ، أي : فتنة مقولا فيها لا تصيبنّ . والنهي في الصورة للمصيبة ، وفي المعنى للمخاطبين ، وهو في المعنى كقولهم : « لا أرينّك ههنا » ، أي : لا تعطوا أسبابا يصبكم بسببها مصيبة لا تخص ظالمكم ، ونون التوكيد على هذا في محلها . ونظير إضمار القول قوله : 2417 - . . . * جاءوا بمذق هل رأيت الذّئب قط « 1 » أي : مقول فيه ما رأيت » . والثاني : أن « لا » نافية ، والجملة صفة ل « فِتْنَةً » ، وهذا واضح من هذه الجهة ، إلا أنه يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم ، ولا طلب ، ولا شرط ، وفيه خلاف : هل يجري النفي ب « لا » مجرى النهي ؟ من الناس من يقول نعم ، واستشهد بقوله : 2420 - فلا الجارة الدّنيا بها تلحينّها * ولا الضّيف فيها إن أناح محوّل « 2 » وقال آخر : 2421 - فلا ذا نعيم يتركن لنعيمه * وإن قال فرّطني وخذ رشوة أبى ولا ذا بئيس يتركن لبؤوسه * فينفعه شكو إليه إن اشتكى « 3 » فإذا جاز أن يؤكد المنفي ب « لا » مع انفصاله ، فلأن يؤكد المنفي غير المفصول بطريق الأولى ، إلّا أن الجمهور يحملون ذلك على الضرورة . وزعم الفراء أن « لا تُصِيبَنَّ » جواب للأمر ، نحو : « أنزل عن الدابّة لا تطرحنّك » ، أي : إن تنزل عنها لا تطرحنّك ، ومنه قوله : لا يَحْطِمَنَّكُمْ ، أي : إن تدخلوا لا يحطمنّكم » فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء . قال الشيخ « 4 » : « وقوله : لا يَحْطِمَنَّكُمْ » وهذا المثال ليس نظير « فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ » ، لأنه ينتظم من الآية والمثال شرط وجزاء ، كما قدّر ، ولا ينتظم ذلك هنا ، ألا ترى أنه لا يصح تقدير : إن تتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا ، لأنه يترتب على الشرط غير مقتضاه من جهة المعنى » . قال الزمخشري : « لا تُصِيبَنَّ » لا يخلو إمّا أن يكون جوابا للأمر ، أو نهيا بعد أمر ، أو صفة ل « فِتْنَةً » . فإذا كانت جوابا فالمعنى : إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ، بل تعمكم » . قال الشيخ : « وأخذ الزمخشري قول الفراء

--> ( 1 ) عجز بيت للعجاج وصدره : حتى إذا جنّ الظلام واختلط * . . . انظر المغني ( 1 / 246 ) ، المقرب ( 1 / 220 ) ، أمالي الزجاجي ( 237 ) وسيأتي فريد بيان لهذا الشاهد . ( 2 ) البيت للنمر بن تولب انظر المغني ( 1 / 247 ) ، الأشموني ( 3 / 218 ) . ( 3 ) البيتان لحسان السعدي انظرهما في النوادر ( 358 ) ، البحر المحيط ( 4 / 483 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 484 ) .